ابن أبي العز الحنفي
198
شرح العقيدة الطحاوية
تعالى أعظم وأعلى ، فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها البتة . وقوله : بغير إحاطة ولا كيفية - هذا الكمال عظمته وبهائه ، سبحانه وتعالى ، لا تدركه الابصار ولا تحيط به ، كما يعلم ولا يحاط به علما . قال تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ الانعام : 103 . وقال تعالى : وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً طه : 110 . وقوله : وتفسيره على ما أراد اللّه وعلمه ، إلى أن قال : لا ندحل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا . أي كما فعلت المعتزلة بنصوص الكتاب والسنة في الرؤية ، وذلك تحريف لكلام اللّه وكلام رسوله عن مواضعه . فالتأويل الصحيح هو الذي يوافق ما جاءت به السنة ، والفاسد المخالف له . فكل تأويل لم يدل عليه دليل من السياق ، ولا معه قرينة تقتضيه ، فإن هذا لا يقصده المبين الهادي بكلامه ، إذ لو قصده لحفّ بالكلام قرائن تدل على المعنى المخالف لظاهره ، حتى لا يوقع السامع في اللبس والخطأ ، فإن اللّه أنزل كلامه بيانا وهدى ، فإذا أراد به خلاف ظاهره ، ولم يحف به قرائن تدل على المعنى الذي يتبادر غيره إلى فهم كل أحد ، لم يكن بيانا ولا هدى . فالتأويل إخبار بمراد المتكلم ، لا إنشاء . وفي هذا الموضع يغلط كثير من الناس ، فإن المقصود فهم مراد المتكلم بكلامه ، فإذا قيل : معنى اللفظ كذا وكذا ، كان إخبارا بالذي عنى المتكلم ، فإن لم يكن الخبر مطابقا كان كذبا على المتكلم ، ويعرف مراد المتكلم بطرق متعددة : منها : أن يصرح بإرادة ذلك المعنى . ومنها : أن يستعمل اللفظ الذي له معنى ظاهر بالوضع ، ولا يبين بقرينة تصحب الكلام أنه لم يرد ذلك المعنى ، فكيف إذا حف بكلامه ما يدل على أنه إنما أراد حقيقته وما وضع له ، كقوله : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً النساء : 163 . و « إنكم ترون ربكم عيانا كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب » « 173 » . فهذا مما يقطع به السامع له بمراد المتكلم ، فإذا أخبر عن مراده بما دل عليه حقيقة لفظه الذي وضع له مع القرائن المؤكدة ، كان صادقا في إخباره . وأما إذا تأول الكلام بما لا يدل عليه ولا اقترن به ما يدل عليه ، فإخباره بأن هذا مراده كذب عليه ، وهو تأويل بالرأي ، وتوهم بالهوى .
--> ( 173 ) متفق عليه وتقدم ( ص 163 ) مع النظر في كلمة « عيانا » .